في عيــــادتي مدخن
الأسفل
مقالات
في عيــــادتي مدخن
د.شاهر بن ظافر الشهري
 037.jpg 


كانت الساعة الرابعة مساءً، وأنا أمشي وصديقي الدكتور عبد الله في ردهات المستشفى الجامعي بعد أن علمنا أن صديقنا القديم أحمد -والذي كان معنا في المدرسة الثانوية- وقد انقطعت أخباره عنا منذ ما يقارب عقدين من الزمن مثل عدد كبير من الزملاء الذين التهمتهم مشاغل الحياة وهمومها... يرقد بالمستشفى الجامعي وهو يعاني من مرض خطير أصاب رئتيه .

كنا متجهين نحو عنبر أمراض الباطنة، لم نكن نعلم الغرفة التي يرقد فيها بالتأكيد، ولكننا سمعنا سعالاً شديدا، قلنا لعله صديقنا أحمد. اتجهنا إلى الغرفة وكانت هي بالفعل. وجدنا شاباً في نهاية العقد الرابع من عمره، وكان جسده نحيلاً جداً يوحي بمرضه!، سلمنا عليه فرد التحية بمعاناة شديدة.

كان يظن أننا بعض أعضاء الفريق الطبي الذي يتردد عليه بين الفينة و الأخرى ، سألناه عن اسمه فأجاب: أحمد. قلنا له: هل عرفتنا؟ فكانت إجابته بالنفي. ذكرنا له اسمينا، ثم ذكرناه باسم المدرسة الثانوية التي درسنا بها و استرجعنا بعض الذكريات التي أعادتنا إلى ذاكرته المنهكة بالمرض.


تبسم أحمد ثم اغرورقت عيناه بالدمع. عانقته أنا وزميلي عبد الله، ثم سحبنا أقرب كرسيين منا، و ألقينا عليها بجسمينا المتعبين بعد عمل يوم طويل، ما بين العنابر والعيادات.
قال عبد الله: أحمد، ما الذي أصابك؟ ضحك أحمد ثم تنهد!!!.


قال: يا عبد الله رفاق السوء!!! قلت: كيف يا أحمد؟ قال: تذكرون أنني كنت من المتميزين في الدراسة. قلنا: نعم. قال لن أشغلكم كثيراً بقصتي، لكن سأحدثكم عما له علاقة بالمرض. قلنا حدثنا يا أحمد. قال أنتم أطباء لن تسمعوا جديداً، ولكن لعل قصتي تفيدكم في نصح مرضاكم من الشباب. قال عبد الله: شوقتنا يا أحمد!!!!.

قال: قصتي باختصار هي التدخين ، نعم التدخين. ثم التفت إلى وقال: يا دكتور محمد لو كنت شاباً في العشرين من عمري ، و دخلت عليك عيادتك، وقلت لك أنني أدخن وبشراهة، فماذا ستقول لي؟
قلت: لعلك يا أحمد تود اختبار معلوماتي! ضحك الجميع؛ وإن كان ضحك أحمد صاحبه بعض السعال.


بدأت الحديث بقولي: تقول الدراسات أن 80% من المدخنين يدمنون التدخين قبل سن الثمانية عشر من العمر وكما تعلم أن التدخين يرتبط بأمراض الجهاز الدوري (القلب)، وأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض السرطان والجلطات الدماغية، و أمراض الحمل وصحة الجنين.

كما وجد أن التدخين في سن المراهقة؛ يؤثر على الأداء الدراسي على الطلاب. وقد أشارت الدراسات والأبحاث، أن التدخين يسبب الالتهاب المزمن للشعب الهوائية، والربو، وتوسع الحويصلات الهوائية، كما أنه يساهم في الالتهابات البكتيرية الرئوية، و يساهم في الإصابة بالدرن الرئوي, كما يساهم في الإصابة بمجموعة كبيرة من أمراض القلب، وهنا أترك الحديث للدكتور عبد الله؛ حتى لا أدخل عليه في تخصصه.

قال عبد الله: لا، أكمل فأنا مستمتع بالحديث. قلت: لا، سوف أعطي الخباز الخبز، و لو أكل نصفه!! ضحك الجميع، ثم أخذ عبد الله زمام الحديث:


نعم كما ذكرت يامحمد سابقاً، فلأمراض القلب من آثار التدخين نصيب، فهو يسهم في أمراض الشرايين التاجية، مثل الذبحة الصدرية، أو احتشاء عضلة القلب. وللتدخين علاقة قوية بارتفاع ضغط الدم، و توسع الشريان الأبهر، و جلطات الشرايين، وتصلبها.

تدخل محمد وقال: ياعبد الله، لقد أرهقنا صديقنا أحمد؛ فهيا بنا ولنكمل الحديث في وقت لاحق، قال عبد الله صدقت، و هذا ليس من أدب زيارة المريض. هنا تدخل أحمد، وهو ممسك بسارعة السرير، و بصوت منهك: لا، لا، ابقوا، و أكمل يا محمد؛ فما تقوله مهم لي ،وسوف أخبرك لاحقاً.


قال محمد: و تحت إصرار أحمد و رغبته الملحة، لم يكن أمامنا من خيار، إلا البقاء و تحقيق رغبته، ما دام هذا يسعده. وشرع محمد في إكمال الحديث بقوله: وهناك أضرار كبيرة تصيب المرأة الحامل والجنين و المولود الجديد قد لا تهمك كشاب.

و لكن سوف أحدثك عن أضرار أخرى يسببها التدخين ، دعنا نتحدث عن الأورام الخبيثة، و التي أثبتت الدراسات قوة العلاقة بينهما. من هذه الأورام سرطان الفم، سرطان البلعوم، سرطان الحنجرة، سرطان الرئة، سرطان المعدة، سرطان الكبد، سرطان البنكرياس، سرطان المثانة، وغيرها من الأورام.

توقف محمد عن الحديث فجأة؛ عندما رأى عيني أحمد، و قد اغرورقت عيناه بالدمع، مصحوبة بسعال وشهيق. لا بأس عليك يا أحمد، أنا متأسف على ما فعلته بك. قال: لا عليك يا محمد، لقد أسعدتموني بزيارتكم، وخففتم علي.

كان أحمد يتدرك ممسكاً بالسرير، محاولاً تعديل جلسته، قام إليه عبد الله؛ لمساعدته وتعديل جلسته، قال أحمد: جزاك الله خيراً يا عبد الله ، آسف يا دكتور عبد الله. ضحك الجميع. قال أحمد: إني أعني ما أقول، ياعبد الله، نعم أعني ما أقول. دعوا زمام الحديث لي الآن.

عشرون عاما مضت منذ افترقنا، ترون ملخصها ظاهرا على جسدي، و لعلي بلغت النهاية. ذهبتما إلى الجامعة، و بالتحديد كلية الطب. اجتهدتما في دراستكما، واخترتما الصحبة الصالحةوها أنتما بأحسن صحة، و قد هيأ الله لكما أفضل مكان لخدمة الناس، زادكما الله من فضله.

أما أنا فلم استمع إلي نصيحة والدي، ولا إلى توجيه معلمي، واخترت الرفقة السيئة. وأمسكت السيجارة؛ ظاناً أنها مظهر الرجولة. أسرفت في التدخين، تركت دراستي. مرت السنون و أنا بلا مستقبل، بل إنني أنتظر الموت صباح مساء.

نخر السرطان رئتي، و انتشر في جميع جسدي، أسأل الله المغفرة. لكن وصيتي لكما أن تنشرا هذه المحادثة للشباب، وقولوا هذه وصية أحمد، وقولوا أهم فقرة فيها هي:
 

أحسنوا اختيار الصحبة، إياكم والسيجارة الأولى.

 

 


المصدر: بقلم د.شاهر بن ظافر الشهري
الأعلى
الرئيسية
122.51