![]() |
![]() |
حضرت مجلساً جل الحديث فيه عن الخدمات الصحية لدينا، وقد بدأ الحديث أحد حديثي
العهد بالحياة في بلاد (العم سام)، وقد قضى في تلك البلاد قرابة عقد من الزمن.
وكان
تعليقه: أنه لا يستطيع الربط بين وجود خدمات صحية حديثة في هذه البلاد، ووجود أطباء
سعوديين على مستوى عالي من التعليم والخبرة، وبين ما يجده من صعوبة في الوصول إلى
الخدمة بطريقة سهلة وميسرة.
فضلاً عن حاجته إلى إجابات في أحيان كثيرة، عن قضايا تهم
صحته. وكم يشعر بفرحة شديدة عندما يلتقي بطبيب في التجمعات العامة حتى ينهار عليه
بسيل أسئلته ، مما يجعله في حرج أحياناً كثيرة أمام كثير من جمهور تلك المجالس الذين هم بشغف للحديث عن قضايا العقار أو آخر مباريات الدوري وربما عن أسعار
الأسهم.
ويستطرد صاحبنا في الحديث ليقول: وصلت لهذا البلد وأنا أطمح أن أسجل أسمي لدى عيادة
طبيب أسرة؛ ليحمل عني هم المعاناة، ابتداءً من الإجابة على هذه الاستفسارات ،
والفحص الدوري لي ولأفراد أسرتي، والتحويل للمستشفى ونقاش الطبيب المختص عن
حالتي، و جمع وتوثيق المعلومات من العيادات المختلفة عن فحوصاتي أنا و أفراد أسرتي،
ومتابعة التوصيات الطبية معي، ومساعدتي في مما يحتاج إلي متابعة من التوصيات الطبية،
حتى أتقنها.
بل أني حين أسافر؛ أفضل الجلوس مع طبيبي، و أستمع إلى بعض نصائحه عن
السفر، وكم كانت مفيدة لي تلك النصائح.
أنا الآن في العقد الخامس من عمري ، ومبتلى بداء السكري، الذي لم أكن أجده هماً صحياً بهذه الدرجة قبل الوصول إلى هذه البلاد.
لقد سجلت اسمي في أقرب مركز صحيً فور وصولي، وسلمتهم تقريراً تفصيلياً يروي قصتي مع
داء السكري، وكم كانت المفاجأة لي كبيرة -خصوصاً أني انقطعت لفترة طويلة عن هذه
البلاد-.
ليس هناك نظام واضح في هذا المركز متى أزور هذه العيادة، و ما الذي يجب أن أعمله في كل زيارة، والطبيب ليس لديه نظام واضح، ماذا يجب أن يعمله معي.
وقعت في
حيرةً من أمري حتى التقيت بأحد الزملاء القدماء وعلمت أنه طبيب، ومتخصص في طب
الأسرة. لا تعلمون مدى فرحتي لقد أعادت لي رنة هذا الاسم ، الماضي القريب، عندما كنتُ أتابع من قبل
مع طبيبي الأمريكي (محمد خان) ، وهو طبيب الأسرة الذي كنت مسجلاً
لديه.
أخبرت صديقي بقصتي، وأذهلني عندما أطلعني على كثير من الأنظمة المكتوبة بصفة جيدة، وعن كثير مما أصبو إليه.
سألت صديقي، وقلت له: إذاً ما القصة، تنهد وقال: هذه
قناعات يا صديقي. قلت: وما دخل القناعات في هذا؟ قال: اسمع:
الخدمات الصحية في العقدين الأخيرين قفزت قفزات واسعة، لدينا مستشفيات كبيرة، لدينا
تجهيزات تقنية عالية ، لدينا ميزانيات صحية وافرة، لدينا أطباء مهرة، لدينا كليات
طب تخرج نوعية أعترف بكفاءتها، حتى في "بلاد العم سام"!. قلت: طيب - ولا يزال الحديث له
-
: ما المشكلة؟
قال صديقي الطبيب: كل هذه التطورات التي ذكرت لك، لم يواكبها تطور إداري في مجال الصحة موازٍ لها، لا زال الهرم الصحي يا صاحبي مقلوباً لدينا. طالع أخبار الصحف كم عقد مستشفى يوقع سنوياً، كم دورات وندوات تعقد في المستشفيات سنوياُ؟ كم ميزانيات عقود التشغيل للمستشفيات؟
و انظر إلى ما سألت عنه، وشكوت من غيابه. أين هي مراكز الرعاية الصحية أولاً. ألست إذا اضطرتك الظروف للذهاب إليها، تستعجل الخروج منها. ماذا عن خدمة صحية تقدم في مبان سكينة، ينقصها أقل خدمات السلامة، فضلاً عن خدمات السلامة الصحية، من مكافحة عدوى، وبرنامج تخلص من النفايات وغيرها.
أين الحرص على نوعية العمالة التي تعمل في هذا القطاع؟ أين الصلاحيات والتشجيع لطبيب الأسرة؛ حتى يرتقي بهذه الخدمات؛ لتواكب خدمات البلاد التي ذكرت يا صاحبي؟.
باختصار, لا زال الهرم في الخدمات الصحية مقلوباً لدينا. انتهى صاحبنا من سرده لتجربته، ثم التفت إلي وقال لي: ما رأيك يا دكتور في هذا؟
حدث لغط قليل في المجلس - قبل أن أمسك بزمام الحديث - ما بين مؤيد بشدة ، ومؤيد له
في كثير من أطروحته. قلت له: حديثك يا أستاذ ماتع وقد شدني، خصوصاً و أنه قد لامس مكامن الجراح لدي. لكن
دعني أقر ببعض الحقائق قبل التأييد والاعتراض. أقول: - وإن كان في كثير مما قلت الحق -
قد تكون مقارنتنا لمستوى خدمتنا في بلادنا، بالبلاد التي كنت فيها وبطريقة مجردة؛ فيه
شي من الإجحاف.
الخدمات في بلادنا حديثه بالنسبة لتلك البلاد، والنقلة النوعية التي
حدثت في العقدين الماضيين لابد من تسجيلها إيجابية. هل توافقني؟ قال الجميع :نعم.
قلت: المطلوب في الفترة القادمة، أن يتولى الجميع مبادرة الحديث والتصحيح. الصحة تهم الجميع. وكل وجهة نظر- مثل هذه النظرة السديدة - إذا بقيت حبيسة الصدور، أو حديث المجالس؛ فلن تصحح شيئاً.
ولذلك لا بد من الحديث لكل صاحب قرار، بأي وسيلة ممكن أن توصل هذا الصوت، ثم إن وسائل إعلامنا لازالت غائبة عن مثل هذه القضايا؛ لأنها تعالجها بسطحية، وبعيدة عن أهل الاختصاص، وفي كثير من الأحيان بدون شفافية.
ثم أني أحمل
أهل التخصص أنفسهم شي من هذا، فهم إذا عجزوا عن توصيل رسالتهم وإيضاحها لأهل
الاختصاص؛ فسيعجز غيرهم عن العمل بها. قطع هذا الحديث صاحب الدعوة بقوله: دعونا من
هذا الحديث الضار بالوليمة، وقوموا إلى (مفطح) سمين؛ ينسيكم هموم الصحة ! قمنا
متزاحمين، و لا زلت ملتزماً بمبدئي، بإيصال صوتي إلى أصحاب القرار.